وهبة الزحيلي

48

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

جدالهم ، فقد فعلت ما أمرك اللّه به ، وبلّغت رسالته ، وما أنت بملوم عند اللّه بعد هذا ، لأنك قد أدّيت ما عليك ، وما على الرسول إلا البلاغ ، وعلى اللّه الحساب . وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ أي ولكن تابع التذكير ، وعظ بالقرآن من آمن به من قومك ، فإن التذكير ينفعهم ، أو إنما تنتفع بالذكرى القلوب المؤمنة المستعدة للهداية . والمراد أن الإعراض عن طائفة معلومة لعدم قابليتهم الهدى ، لا يوجب ترك البعض الآخر . ثم بيّن اللّه تعالى الغاية من خلق الثقلين : وهي العبادة ، مع أن المشركين كذبوا الرسول ، وتركوا عبادة الخالق ، فقال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي ما خلقت الثقلين : الإنس والجن إلا للعبادة ، ولمعرفتي ، لا لاحتياجي إليهم كما قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [ التوبة 9 / 31 ] وكما ورد : « كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف ، فخلقت الخلق ، فبي عرفوني » « 1 » . والعبادة في اللغة : الذل والخضوع والانقياد . وقال أهل السنة : إن العبادة المعرفة والإخلاص له في ذلك ، فإن المعرفة أيضا غاية صحيحة . وقال مجاهد : المعنى إلا لآمرهم بعبادتي وأنهاهم . وهذا كلام جديد مستأنف لتقرير وتأكيد الأمر بالتذكر ، فإن خلقهم للعبادة يستدعي دوام التذكير بها . وحكمة تقديم الجن على الإنس أن عبادتهم سرية لا يدخلها الرياء كعبادة الإنس . ثم ذكر اللّه تعالى سمو الغاية من الخلق ، فقال : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ، وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ أي لا أريد من خلقهم جلب نفع لي ، ولا دفع ضرر عني ، كما

--> ( 1 ) قال ابن تيمية : إنه ليس من كلام النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يعرف له سند صحيح ولا ضعيف .